؟
على ضفاف أنكاس كنا نلتقي نحن الثلاثة، يجمعنا براد شاي نختلف على مذاقه وحلاوته، أحدنا يتعجل في الشرب ويعاتبه الآخر أن الشاي حلاوته في خدرته؟ أحدنا يحب النعناع، وآخر يتعصب لحبق المدينة، وثالثنا يحبه هكذا دون نعناع وحبق وسكر، يمتد الحديث، تحط العصافير الساهرة المغامرة التي لم تنم مبكرًا على جريد النخل، تتعارك القطط، ويخرج أحدنا عن نص الحديث ويعلن توبته عن القهوة وتمجيده للشاي.
نتسامر دون أن نرى نجمة ساهرة، يختبيء القمر خلف البنايات، تنام نوافذ البيوت، يغلق حتى الحلاق أبوابه، ولكن كل شيء قريب، وكل شيء نريده يجاورنا، ودون مقدمات أعلن رحيلي وأننا نحتاج لمكان في منتصف المدينة، يغضب أصدقاء الشرق من هجرتي المفاجئة ولكني أعلل أن الشمال أقرب الأماكن إلى طريق يقودني سريعًا إلى شمال أكثر، إلى القصيم وإلى عنيزة، أجد في ملامحهم كل التعجب وعدم قبول العذر، ولكني عقدت العزم وجعلت كل شيء يحدث في الوقت الضائع لكي لا يشدني أحدهم بدافع الحنين إلى البقاء في دفء الشرق. أحمل كل ما استطعت من روحي وأثاث قلبي وبيتي وأنتقل شمالًا،أترك صنابير المياه مقفلة، أطفيء الأنوار وأحمل ذكرياتي معي وكأني مسافر حمل شنطته لأول مرة، أعود مرة ومرة أخرى، يصيبني الوسواس وأتأكد من عدم نسيان أي شيء، وأنسى أني نسيت قلبي في منعطفات الطرق هناك، وأعود لأطل على ذات الشوارع، على تلك الألفة وذلك الاعتياد على مناطق راحتي، أخرج وقلبي يخاف من أمكنة جديدة، ورهاب الترك والانتقال إلى أمكنة جديدة ، أعبر الطريق وكأني أمشي على قدمي في رمضاء تحرق قدمي، أتجرأ وأنزع الضماد بسرعة لأني أريد ألم ثانية لا ساعات، تتملكني نوبة هلع عملاقة، أحاول التنفس ببطء والسير ببطء وأختبر كل خطوة، وفجأة أراني جديدًا في مكان جديد، أتعرف على الأشياء حولي ولا أعرفها، أتوه في منعطفات الطرق كسائح لا يعرف أين يتوجه.
الشاي "خادر" الآن يقرر صاحبي أنها اللحظة المناسبة لشربه، أستعين بذوقه: الحبق في الكأس وملعقتي سكر في جوف السواد، وأقرر في لحظة أني سأترك القهوة وأدمن الشاي، وأخلف الوعد في أول صباح شديد الحرارة وأشعة شمسه تلسع الروح وأتوقف عند أول مكان يقدم القهوة الباردة على ضفاف الطريق المنحدر من منعطفات طريق الملك!
تعليقات
إرسال تعليق