المشاركات

مشاركة مميزة

تنفس

ما حال الأيام التي تمضي دون أن تبشرك بخير ولا تقيك من شر .. تفعل كل ما بوسعك ولكن الصخرة تطبق على باب مغارتك أكثر فأكثر... ما حال الحياة التي تركض سريعًا دون أن تسألك عنك وعن أحوال قلبك وترفض أن تهديك نغمة ترقص على وقعها روحك. ما حال المدن الشاحبة والطرق التي تزحف كالثعابين السود .. وما حال السماء التي تلتصق بالأرض وتحرمك من التنفس ! ما حال الوردة التي كلما حاولت مداعبة بتلاتها مدت إليك مصافحة الشوك جارحة قلبك ؟ ما حالك وأنت بلا خطى تقودك أمامًا وبلا مقاعد تغريك بالجلوس والتوقف عن الحلم ؟! ما حالك عندما ينسى النادل أن يضع السكر في فنجالك ويجبرك على أن تبدأ يومك بلسان مر !

5 فبراير

 وداعًا ثريا قابل، ربما لا يعرفها الكثير، لكنها كانت كثيرة باحساسها وشعرها، رحلت كما رحل العظماء صناع الفن السعودي، كانت جوار صوت فوزي محسون، وفي قلب أغنيات طلال وعتاب، ثريا قابل، الست ثريا في ذمة الله، وتركت إرثًا ضخمًا من الشعر كان أنس ليالينا، وفرحة أرواحنا، رحلت وبقيت لك الروائع التي لا تنساها الروح: عليها رحمة الله، ونسأل الله أن يسكنها فسيح جناته.   لو كنت لا تعرف ثريا قابل، تذكر فقط: تمنيت من الله، أو من بعد مزح ولعب، أو من فتن بيني وبينك أو أديني عهد الهوى! أو جاني الأسمر جاني! لكن هذه هي الحياة تدربنا على الرحيل، ولكن الحرف يبقى ولا يموت!

أولئك

أولئك اللذين رافقونا عمرًا وغادرونا فجأة، دون وداع؛ نسأل أنفسنا هل نحن ارتكبنا في حقهم خطأ ما، أم أنهم اختاروا الرحيل بصمت؛ أصدقاء الروح والزمن نفتقدهم ونعذرهم، ولكن من حقتا عتابهم على أنهم دون مقدمات لبسوا طاقية الاختفاء ورحلوا! نحن نعيش في دهاليز الحياة، نكتم أسرارنا، نقلم أظافر حزننا، نستر عيوبنا لو استطعنا، نتمنى والأمنيات كشوك حول ورد، أولئك الذين اقتربوا من رحى أرواحنا، أولئك الذين نصبنا لهم خيام الوقت والأماني، من حقهم كل العتاب، ولكن من حقنا كل الحنين!

٤ فبراير

 عند الوداع كنت آخر من ألقى التحية، آخر من خرج للتوديع، وآخر من وقف في صف الوداع، وكنت أظن أن الوداع كذبة وأن الراحل سيغير رأيه في آخر لحظة ويبقى! عند الوداع تآكلت أصابعي من فرط التلويح، وعند الوداع كنت أحسب أنه مشهد وكنت أريد أن يخطيء الممثل مرارًا، لا لشيء لكي يبقى بيننا! عند الوداع، دائما ما كنت أسأل نفسي: أولئك الذين قفزوا إلى مساحات الوداع، هل شعروا بشوقنا لدفء التحية! الوداع مأتم حزين، ترحل فيه عرباتهم، ننظر إليها وهي صاخبة بالأمنيات والدعوات، ولكن الركب الضخم، ما يلبث أن يسير في الأفق، تقفز اللحظات والدقائق، وما كان كبيرًا في أعيننا كشمس صارخة، يقطع المسافة، يتناهى في الصغر، يبتعد ويصبح كنقطة بعيدة، أو نجمة عالية نحتاج أن نمعن النظر لكي نراها، وكعادة النجم.. يأتي النهار وتمسح كل آثاره!

٣ فبراير

 ليس بوسعك أن تحيط بكل شيء، حسبك ذاتك وحدودها، وأما الناس فرضاهم حلم يقظة، أستدير إلى الخلف، أستند على أولئك اللذين منحوني أرواحهم وقلوبهم وأوقاتهم، وقاتلوا من أجلي في عثرات المزاج ومنعطفات الحنين والذاكرة. أصدقائي كثر، ولكن هناك القليل منهم من تجاوز طرق الباب، ودخل مباشرة بكل لطف وبشاشة إلى ساحات يومي؛ أولئك اللذين بوسعهم نزع ألغام الروح، أولئك اللذين بوسعهم أن يأخذوا الحديث إلى أقاصي الأفق، أولئك اللذين إن مال زمني، أعادوا بناء بيوت الفرح في يومي، أولئك اللذين عرفتهم صدقًا وعرفوني، أولئك اللذين لا أجتهد في طلبهم ومناداتهم، لأنهم سكنوا في الروح ونجواها، ولا أحتاج الكلام لكي أشرح مابي، لأنهم استبقوا الكلام وقفزوا إلى ما أقول قبل أن أقوله: أولئك اللذين لا أتكلف في الحديث معهم، ولا يهتمون لكل الحواحز التي أنصبها أمام روحي، أولئك اللذين اقتربوا بكل لطف وصاروا فكرة تماهت بكل عذوبة مع أفكاري! 

٢ فبراير

 لو أن هنالك قبائل من شكر لطلبت منها بكل الرجاء، أن تشد رحالها إليكِ، شكرًا لأنكِ هنا، في آخر هزيع من الليل، وشكرًا لوجودك، وشكرًا لقمر يطل بكل تمامه في عينيكِ، وتبًا لناموس يقظ مضجعك!

١ فبراير

 في نهايات اليوم، تركت الأشجار ظلالها، لأن الشتاء عبث بكل الأوراق.. لا ظل لي! كيف أمضي دون ظلي، ومن يسترني، ومن يعاتبني، ومن يحرسني،  أنا شجرة! تلوح بكل يباسها للعابرين، يشفق أحدهم! يبتهج أحدهم، ولكن أنا لا أبه بالآخرين، يكفيني وقوفي في مكاني حتى لو كنت عاريًا من كل أغصان وثمر!

قبل ٣١ يناير

 قبل منام القمر، قبل طلوع شمس، قبل رحيل النجوم إلى سماء أخرى، قبل آذان فجر، وقبل ركض عقارب الساعة إلى يوم آخر: تطل هذه الليلة: باردة نوعًا ما، ولكن في منتصف الروح تبشر بكل الدفء! مرت الأعوام، وهذه الليلة، أخذتني إلى عام آخر، إلى ساعة الميلاد، وإلى لحظة أنظر فيها إلى الخلف إلى كل اللحظات التي مضت في حياتي! العمر يمر، كبرنا، كبر الرفقاء، ولكن يا لجمال شيخوخة الرفقة! كبرنا وتساقطت خصلات الشعر على جبين الأيام، وكأن كل خصلة فكرة أو خاطرة مرت على البال، كبرنا وما عادت أسهل الأشياء تغرينا، كبرنا، وما صار أي رفيق يؤنسنا، كبرنا وصرنا نعشق الظلام لنستر تجاعيد أرواحنا، ولكن كبرنا واستيقظت في أرواحنا ألف أغنية، وتمايلت غصون الألحان، ونبتت قصائد تألفها أرواحنا، ومضينا في دروب اللحن وتماهينا مع شوقنا للفرح، وأملنا في اقتباس السعادة من أي شيء، وتجاوزنا زلات أرواحنا وتصالحنا مع شرهات أرواحهم، وابتسمنا بكل الدهشة لأغنية تتمنى لنا العمر المديد، وأخذتنا إلى يوم آخر، يبشر بحب وأمل وتفاؤل يذيب كل مساحات التشاؤم والضيق وما تكبدته أرواحنا من أرق واجترار لماض لا يمكننا استعادته، ولا يمكننا صناعته من جديد!...