المشاركات

مشاركة مميزة

تنفس

ما حال الأيام التي تمضي دون أن تبشرك بخير ولا تقيك من شر .. تفعل كل ما بوسعك ولكن الصخرة تطبق على باب مغارتك أكثر فأكثر... ما حال الحياة التي تركض سريعًا دون أن تسألك عنك وعن أحوال قلبك وترفض أن تهديك نغمة ترقص على وقعها روحك. ما حال المدن الشاحبة والطرق التي تزحف كالثعابين السود .. وما حال السماء التي تلتصق بالأرض وتحرمك من التنفس ! ما حال الوردة التي كلما حاولت مداعبة بتلاتها مدت إليك مصافحة الشوك جارحة قلبك ؟ ما حالك وأنت بلا خطى تقودك أمامًا وبلا مقاعد تغريك بالجلوس والتوقف عن الحلم ؟! ما حالك عندما ينسى النادل أن يضع السكر في فنجالك ويجبرك على أن تبدأ يومك بلسان مر !

نوفمبر

شوق لنوفمبر! أشتاق لنوفمبر قبل أن يصل، أشتاق لبرده الخفيف حين يطرق النافذة في الصباح ويوقظ الدفء النائم في الفنجان.. خذني إليه، لقد تعبت من أكتوبر ومن أيامه التي أغلقت عليّ أبوابها، خذني ولا تسألني لماذا، فبعض الشوق لا يحتاج إلى أسباب! نوفمبر شهر يعرفني، يعرف أنني أحب المطر حين يأتي خجولًا، وأحب الشمس حين تتمهل ولا تحرق، وأحب الليل حين يطول قليلًا كي يتسع للحديث. ولكن لو علمنا أن الشهور تشبهنا، وأن بعضها يأتي ليأخذ منا، وبعضها يأتي ليعيد إلينا ما أخذته الأيام، لعرفنا لماذا ننتظر بعضها أكثر من غيره.. أشتاق أن أكتب فيه كثيرًا، أن أضحك دون أن أداري ضحكتي، أن أمشي في الطرقات ويدي في جيبي والهواء البارد يطبطب على جبيني ويقول لي: لا بأس، كل شيء سيكون بخير. وأشتاق فيه أن أشعل نارًا صغيرة في أقاصي الروح، وأجلس حولها مع من أحب، ونتحدث حتى ينام القمر! تعال يا نوفمبر، تأخرت كثيرًا، ونحن حتمًا بحاجة إليك أكثر من أي وقت مضى.. سلام عليك! نوفمبر شهر أتذكر فيه بيتًا لضابئ بن الحارث البرجمي: وَرُبَّ أُمورٍ لا تَضيرُكَ ضَيرَةً ... ولِلقَلبِ مِن مَخشاتِهِنَّ وَجيبُ

اكتوبر

ما حال القلب الذي اعتاد العطاء حين ينعكف على ذاته ويتوقف عن البذل ما حال الابتسامة التي تغيب فجأة والكلام الذي يتجمّد على شفتيك وأنت المعتاد على الركض في دروب الحديث ما حال الأيام حين تقيّدك وتغلق عليك أبوابها فتقف حيث وقف المعتمد بن عباد في أغمات يخاطب نفسه فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورًا فساءك العيدُ في أغماتَ مأسورا وما حالك وأنت تمضي العمر كله منتهبًا لأفخاخ الانتقاد تحسب خطوك وتزن ضحكتك وتخفض صوتك كي لا يلتفت إليك أحد وقد قالها بشار بن برد ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلُّها كفى المرءَ نُبلًا أن تُعدَّ معايبُه ما حال من يسقي الناس ماءً زلالًا فيقولون إنه مرّ وقد حسمها المتنبي منذ ألف عام ومن يكُ ذا فمٍ مرٍ مريضٍ يجدْ مرًّا به الماءَ الزلالا هذا العمر مضى أكثره ولست مجبرًا على التجمّل في عين أحدهم تكلّم متى ما مدّ لك الكلام أبجديته وابتسم متى ما أعطتك الحياة بهجتها وإن قالوا لك إن السماء كئيبة فأجبهم بما أجاب به إيليا أبو ماضي قال السماءُ كئيبةٌ وتجهّما قلتُ ابتسم يكفي التجهّمُ في السما

" لا طاحت نجوم السماء، ولا تاه في الظلما قمر"

  التهويل الكوني ما حال بيت شعر يضيق بصدر صاحبه، فيمدّ يده إلى النجوم يستجديها مشاركة، أو إلى السماء يستحلفها انشقاقًا؟ ما حال شاعر يقف أمام فقدٍ أكبر من طاقته، فلا تكفيه كلمات البشر، فيستعير من الكون كله صوتًا يوازي صوته الصغير؟ لاحظتُ هذا النمط يتكرر أمامي كثيرًا، بيتًا بعد بيت، عصرًا بعد عصر. امرأة من صدر الإسلام تقف أمام شجر الخابور، تتعجب من نضارته وكأن فجيعتها لم تبلغه. ابن اللبانة، أمام صديقه الأسير في أغمات، يقول إن الشهب لو أنصفت لانكسفت. شاعر مصري حديث يأمر السماء أن تتفطر حزنًا على إمام راحل. وشاعر نبطي معاصر يعكس كل هذا فجأة، يقول إن النجوم لم تسقط ولا القمر تاه، وكأنه يفضح وهمًا ظل يتكرر قرونًا. سمّيت هذا النمط، لنفسي ابتداءً، "التهويل الكوني". لا أقصد شيئًا معقدًا. حين يضيق الشاعر بحجم ما يشعر به، ويستدعي النجوم والسماء والجبال ليحمّلها انفعاله، فإما يطلب منها أن تشاركه (فتنكسف الشمس، تتشقق السماء)، أو يصطدم بأنها لا تبالي (تبقى النجوم في مكانها رغم كل شيء). في الحالتين، الكون يخرج من صمته ليصبح طرفًا في الحكاية. وأنا أعرف أنني لست أول من انتبه لهذا. النقاد القد...

ضيف عمرك!

أختار ما يقربني لا ما يبعدني عن ديار روحك، أختار أن أكون مطرًا يطمع أن يتساقط على بلدان عمرك، أختار أن أكون كالصبا عندما تهب وتجذب صوتك إلى الغناء، أختار أن أكون ربيع قلبك حينما تهرب كل الأعشاب إلى مرابع الآخرين، وأختار أن أشعل ناري في شتاء شديد البرد في أقاصي النفس، وأختار أن أبقى حتى لو كنت ثقيل الظل ضيفًا على عمرك، ..

برد التحية.

 يد لا تمسك يدك بقوة عند التحية، لا تستحق أن تبالغ في كلامك وسلامك على شخصها.. تلك اليد التي تتهرب في التحية، حتمًا ستتهرب منك في منتصف الحياة! 

سبتمبر

 خذني إلى سبتمبر، غرقت كثيرًا في صيف أغسطس، خذني وانهض بي في شهر جديد، يطبطب على الروح ويكتب ما تود قراءته.. خذني إليه راكضًا وتاركًا كل الأشهر خلفك.. خذني ولو استطعت اقفز بي ولا تتركني أمر بهذه الأيام الأخيرة.   تتأنق الشمس، يبتهج القمر، تنسج النجوم ألوانها لتزدان في أعيننا، سبتمبر شهر يحب أن نعتني به أكثر، لأنه ينادي على الحنين ويأخذ أرواحنا في نزهة جميلة.  أحيانًا تقع في حب ساعة أو يوم، ولكن ماذا تفعل حينما تقع في حب شهر مديد الظل، في شهر تخجل فيه الشمس وتضم أشعتها على نفسها وتغني بكل الدفء سلام عليك! سبتمبر، ينادي على كل فرح ويهذب كل حزن، ويهرب بكل ما يستطيع إلى دفء راحاتهم وبهجة أيامهم!

عندما يذوب أغسطس!

 يحزنني انطفاء الكلام بيننا، كم هو موجع حزن المصابيح حين تنام، كم هو موجع حزن الأحرف حينما تفتقد حرية الركض في مساحات أيامنا! في أيام كثيرة سكت الكلام أو ذاب خجلًا في ممرات الروح، ولكنه يستيقظ ونعبره جسرًا إلى ضفاف أخرى، إلى أحلام أخرى، وإلى قدرة على السباحة رغم كل أمواج الحياة ومدها وجزرها. اليوم يطل القمر بكل اكتماله، والقمر لو علمنا رافقنا في أيام كثيرة بألوانه المتعددة، وبسحب يزيحها كما يمسح الحزين دمعًا يتراكم على عينيه، لا أعلم أين نلتقي في مساحات نوره، ولكني لا أحب الظلام والصمت والصيام عن الحديث.