" لا طاحت نجوم السماء، ولا تاه في الظلما قمر"

 التهويل الكوني

ما حال بيت شعر يضيق بصدر صاحبه، فيمدّ يده إلى النجوم يستجديها مشاركة، أو إلى السماء يستحلفها انشقاقًا؟

ما حال شاعر يقف أمام فقدٍ أكبر من طاقته، فلا تكفيه كلمات البشر، فيستعير من الكون كله صوتًا يوازي صوته الصغير؟

لاحظتُ هذا النمط يتكرر أمامي كثيرًا، بيتًا بعد بيت، عصرًا بعد عصر. امرأة من صدر الإسلام تقف أمام شجر الخابور، تتعجب من نضارته وكأن فجيعتها لم تبلغه. ابن اللبانة، أمام صديقه الأسير في أغمات، يقول إن الشهب لو أنصفت لانكسفت. شاعر مصري حديث يأمر السماء أن تتفطر حزنًا على إمام راحل. وشاعر نبطي معاصر يعكس كل هذا فجأة، يقول إن النجوم لم تسقط ولا القمر تاه، وكأنه يفضح وهمًا ظل يتكرر قرونًا.

سمّيت هذا النمط، لنفسي ابتداءً، "التهويل الكوني".

لا أقصد شيئًا معقدًا. حين يضيق الشاعر بحجم ما يشعر به، ويستدعي النجوم والسماء والجبال ليحمّلها انفعاله، فإما يطلب منها أن تشاركه (فتنكسف الشمس، تتشقق السماء)، أو يصطدم بأنها لا تبالي (تبقى النجوم في مكانها رغم كل شيء). في الحالتين، الكون يخرج من صمته ليصبح طرفًا في الحكاية.

وأنا أعرف أنني لست أول من انتبه لهذا. النقاد القدامى، كابن رشيق، كانوا يسمّونه "الغلو"، ويتساءلون متى يكون مجازًا جميلًا ومتى يتجاوز حده. وناقد إنجليزي في القرن التاسع عشر، جون رَسكِن، وصف شيئًا قريبًا جدًا حين تحدث عمّن ينسب لغير الإنسان مشاعر بشرية تحت وطأة انفعال حاد، لكن أمثلته كانت أصغر من أمثلتي بكثير — رغوة، غيمة، لا نجومًا وسماء بأكملها. ولهذا وددت أن أعطي هذا الحجم الأكبر اسمًا يخصه.

فما أدّعيه ليس اكتشافًا، بل مجرد تسمية لشيء كنت أراه أمامي دون أن أعرف كيف أشير إليه.

يعجبني أن أتتبعه هكذا عبر الزمن: من امرأة أموية واقفة أمام شجر لا يشعر بحزنها، إلى شاعر أندلسي يخاطب النجوم متألمًا من عدم إنصافها، إلى قصيدة حديثة تتحدى السماء أن تتشقق، إلى صوت آخر معاصر يقول ببساطة: لا، السماء لم تتحرك، ولن تتحرك، وهذا بالضبط ما يوجعني أكثر.

ربما لأنني أرى في هذا شيئًا أعمق من مجرد صنعة بلاغية. أراه صرخة الذات ضد شعورها بالتفاهة أمام حجم الكون. حين نفقد شيئًا عزيزًا، نشعر أن حزننا أكبر من أن نحمله وحدنا، فنسقطه على كل ما حولنا، وكأننا نقول: إن كان الكون لا يتأثر، فهذا دليل على صغري، ولستُ أقبل هذا الصغر.

وحين يعكس شاعر معاصر الاتجاه، وينفي تأثر الكون صراحة، لا أظنه أقل حزنًا ممن سبقوه. ربما يكون أصدق منهم فقط، لأنه يعترف بأن الكون لا يبالي، وهذا اعتراف أقسى من أي طلب للمواساة.

لا أعرف إلى أين سيأخذني هذا الطريق. ربما أعود إليه من زاوية أخرى، أو أجده في شاعر لم أقرأه بعد. لكنه الآن هنا، اسمًا صغيرًا لشيء كان يشغلني منذ زمن دون أن أسمّيه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كل عام وأنتم بخير.

أن تكتب!

الحديث لو علمنا